فخر الدين الرازي
57
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بمرسل ، وإنما هو كاذب ، ولكن لا نوافقكم في إنكار الرسالة والحشر والإشراك باللّه من الأصنام ، ومن لم يؤمن بمحمد صلى اللّه عليه وسلم فهو كافر ، وإن آمن بغيره . لا بل من لم يؤمن بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، لا يؤمن باللّه ولا برسله ولا بالحشر ، لأن اللّه كما أخبر عن الحشر وهو جائز ، أخبر عن نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام ، وهي جائزة فإذا لم يصدق اللّه في شيء لا ينفي الكذب بقول اللّه في غيره ، فلا يكون مصدقا موقنا بالحشر ، ولا برسالة أحد من الأنبياء ، لأن طريق معرفتهم واحد ، والمراد من الذين كرهوا ما نزل اللّه هم المشركون والمنافقون ، وقيل المراد اليهود ، فإن أهل مكة قالوا لهم : نوافقكم في إخراج محمد وقتله وقتال أصحابه ، والأول أصح ، لأن قوله كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ لو كان مسندا إلى أهل الكتاب لكان مخصوصا ببعض ما أنزل اللّه ، وإن قلنا بأنه مسند إلى المشركين يكون عاما ، لأنهم كرهوا ما نزل اللّه وكذبوا الرسل بأسرهم ، وأنكروا الرسالة رأسا ، وقوله سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ يعني فيما يتعلق بمحمد من الإيمان به فلا نؤمن ، والتكذيب به فنكذبه كما تكذبونه والقتال معه ، وأما الإشراك باللّه ، واتخاذ الأنداد له من الأصنام ، وإنكار الحشر والنبوة فلا ، وقوله وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ قال أكثرهم : المراد منه هو أنهم قالوا ذلك سرا ، فأفشاه اللّه وأظهره لنبيه عليه الصلاة والسلام ، والأظهر أن يقال وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ وهو ما في قلوبهم من العلم بصدق محمد عليه الصلاة والسلام ، فإنهم كانوا مكابرين معاندين ، وكانوا يعرفون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ، وقرئ إِسْرارَهُمْ بكسر الهمزة على المصدر « 1 » ، وما ذكرنا من المعنى ظاهر على هذه القراءة ، فإنهم كانوا يسرون نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، وعلى قولنا المراد من الذين ارتدوا المنافقون ، فكانوا يقولون للمجاهدين من الكفار سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وكانوا يسرون أنهم إن غلبوا انقلبوا ، كما قال اللّه تعالى وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ [ العنكبوت : 10 ] وقال تعالى : فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ . . . سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ [ الأحزاب : 15 ] ثم قال تعالى : [ سورة محمد ( 47 ) : آية 27 ] فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ( 27 ) اعلم أنه لما قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ [ محمد : 26 ] قال فهب أنهم يسرون واللّه لا يظهره اليوم فكيف يبقى مخفيا وقت وفاتهم ، أو نقول كأنه تعالى قال : وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ وهب أنهم / يختارون القتال لما فيه الضراب والطعان ، مع أنه مفيد على الوجهين جميعا ، إن غلبوا فالمال في الحال والثواب في المآل ، وإن غلبوا فالشهادة والسعادة ، فكيف حالهم إذا ضرب وجوههم وأدبارهم ، وعلى هذا فيه لطيفة ، وهي أن القتال في الحال إن أقدم المبارزة فربما يهزم الخصم ويسلم وجهه وقفاه ، وإن لم يهزمه فالضرب على وجهه إن ضبر وثبت وإن لم يثبت وانهزم ، فإن فات القرن فقد سلم وجهه وقفاه وإن لم يفته فالضرب على قفاه لا غير ، ويوم الوفاة لا نصرة له ولا مفر ، فوجهه وظهره مضروب مطعون ، فكيف يحترز عن الأذى ويختار العذاب الأكبر . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 28 ] ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ( 28 ) قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ وفيه لطيفة ، وهي أن اللّه تعالى ذكر أمرين : ضرب الوجه ، وضرب الأدبار ، وذكر بعدهما أمرين آخرين : اتباع ما أسخط اللّه وكراهة رضوانه ، فكأنه
--> ( 1 ) جرى المصنف في تفسيره على القراءة بفتح الهمزة ، ولذلك نبه على الثانية هنا وكأنها ليست مشهورة .